الحمى الروماتيزمية خطر يهدد قلوب أطفالنا

الحمى الروماتيزمية (Rheumatic Fever) هي أحد المضاعفات المرتبطة بعدوى الحلق أو اللوزتين بالميكروب العقدي أو السبحي من المجموعة أ. وتعد الحمى الروماتيزمية مرضًا خطيرًا نسبيًا، حيث قد تسبب تلف صمامات القلب في كثير من الأحيان وربما يصل الأمر إلى الحاجة لإجراء عملية قلب مفتوح لاستبدال الصمامات التالفة.

كانت الإصابة بالحمى الروماتيزمية أكثر شيوعًا قبل اكتشاف المضادات الحيوية، ولكن انخفضت نسب الإصابة بها إلى حد كبير بعد استعمال المضادات الحيوية في علاج التهابات الحلق واللوزتين. فقد أصبحت الإصابة بها نادرة الآن في البلدان المتقدمة، لكنها لا تزال تمثل خطرًا في أماكن أخرى مثل إفريقيا وجنوب وسط آسيا، وبعض المناطق في أستراليا ونيوزيلندا.

ما هي الحمى الروماتيزمية؟

الحمى الروماتيزمية هي أحد أمراض المناعة الذاتية التي تؤدي إلى التهاب أنسجة الجسم، مثل المفاصل والقلب. وتحدث عندما يبالغ الجهاز المناعي في رد فعله بعد التهاب الحلق أو الحمى القرمزية التي لم تعالج بشكل كامل.

أسباب الحمى الروماتيزمية

تحدث الحمى الروماتيزمية نتيجة عدم تلقي العلاج بالمضادات الحيوية أو عدم اكمال دورة العلاج اللازمة لعلاج التهاب الحلق أو الحمى القرمزية الناتجة عن عدوى المكورات العقدية من المجموعة أ. فعندما تبدأ الأجسام المضادة في الجسم في محاربة العدوى يحدث رد فعل مبالغ فيه من قبل جهاز المناعة؛ مما يجعله يحارب أنسجة الجسم السليمة، فيتسبب في إتلاف الأنسجة والأعضاء السليمة بدلاً من البكتيريا.

عوامل الخطورة

يمكن أن تزيد عوامل معينة من خطر الإصابة بالحمى الروماتيزمية، منها:

  • المستوى الاقتصادي: تزداد الإصابة في الأماكن ذات الموارد الطبية المحدودة، مثل البلدان فقيرة الموارد أو المناطق التي يصعب فيها الحصول على الأدوية أو الرعاية الطبية.
  • العمر: يصاب بها في الغالب الأطفال أو المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و 15 عامًا. ولكن لا تحدث الحمى الروماتيزمية الحادة بشكل عام عند الأطفال الصغار أقل من 5 سنوات، وكذلك تقل نسبة الإصابة بالحمى الروماتيزمية للكبار الذين تزيد أعمارهم عن 15 عامًا.
  • الصحة العامة: يمكن أن يؤدي ضعف الجهاز المناعي إلى زيادة خطر الإصابة، فالأطفال الذين يصابون بالعدوى العقدية بصورة متكررة يكونون أكثر عرضة للإصابة بالحمى الروماتيزمية.
  • التاريخ العائلي: إذا كان أحد أفراد العائلة مصابًا بالحمى الروماتيزمية، فقد يكون أفراد العائلة الآخرون أكثر عرضة للإصابة بها.
  • المناطق المزدحمة: تنتشر البكتيريا بسهولة أكبر في الأماكن التي يتجمع فيها مجموعات كبيرة من الناس.

هل الحمى الروماتيزمية معدية؟

الحمى الروماتيزمية ليست معدية فلا يمكن أن تنتقل من شخص لآخر. لكن التهاب الحلق العقدي والحمى القرمزية المسببان لها معديان، حيث تنتشر البكتيريا العقدية عن طريق الرذاذ التنفسي من شخص لآخر أي عن طريق السعال أو العطس.

أعراض الحمى الروماتيزمية

قد يسبق الإصابة بالحمى الروماتيزمية بأسبوع أو أسبوعين ظهور أعراض التهاب الحلق أو اللوزتين في صورة ألم في الحلق مع حمى وتضخم في الغدد الليمفاوية. ولكن قد يعاني البعض من أعراض التهاب حلق خفيفة حتى أنهم قد لا يدركون أنهم مصابون بعدوى بكتيرية إلى أن تتطور الحمى الروماتيزمية في وقت لاحق، وإذا لم يعالج التهاب الحلق العقدي بالمضادات الحيوية مدة كافية فقد يسبب الحمى الروماتيزمية.

تظهر علامات واعراض الحمى الروماتيزمية عند الاطفال والكبار بشكل عام بعد 2 إلى 4 أسابيع من الإصابة بالمكورات العقدية.

تؤثر الحمى الروماتيزمية على الأشخاص بطرق مختلفة، فقد يعاني البعض من واحد أو اثنين فقط من الأعراض، ولكن ربما يعاني آخرون من معظم الأعراض، والتي تشمل الآتي:

  • تعب.
  • سرعة دقات القلب.
  • انخفاض القدرة على ممارسة الرياضة.
  • ألم وتورم المفاصل.
  • حمى.
  • طفح جلدي.
  • ارتعاش وحركات لا يمكن السيطرة عليها.

التهاب المفاصل

يصيب التهاب المفاصل المصحوب بالألم والتورم 75% من الحالات. ويبدأ الالتهاب عادةً في المفاصل الكبيرة، مثل الركبتين والكاحلين والمعصمين والمرفقين، ويتسم بتعافي المفصل المصاب تمامًا قبل ظهور الالتهاب في مفصل آخر. عادة ما يزول الالتهاب في غضون 4 إلى 6 أسابيع دون التسبب في ضرر دائم بالمفصل.

التهاب القلب

يمكن أن يؤدي التهاب القلب إلى ألم في الصدر، وخفقان، وإحساس بأن القلب يرفرف أو ينبض بقوة، وربما يصاحبه لهثان وضيق في التنفس، وإرهاق.

يصاب 50% تقريباً من المرضى بالتهاب القلب أو الصمامات، والذي يمكن أن يكون له آثار خطيرة وطويلة الأمد، ويعد المرضى الأصغر سنًا هم الأكثر عرضة للإصابة بالتهاب القلب.

التهاب الأعصاب

يمكن أن يؤدي التهاب الأعصاب إلى ظهور أعراض رقص سيدنهام (Sydenham Chorea)، وتشمل:

  • الرقص والرجفة التي لا يمكن السيطرة عليها للمعصمين، والمرفقين، والركبتين، والكاحلين.
  • البكاء أو الضحك غير المبرر.
  • التهيج وتقلب المزاج.
  • صعوبة التحكم في حركات اليد الدقيقة.
  • مشاكل في التوازن.

عادة ما تزول هذه الأعراض في غضون بضعة أشهر، ولكن يمكن أن تستمر حتى عامين.

الطفح الجلدي والعقيدات تحت الجلد

تشمل الأعراض الأخرى طفح جلدي وبقع حمراء، وتظهر في 10% من الحالات تقريبًا. كما قد تظهر عقيدات غير مؤلمة تحت الجلد وتعد من الأعراض الأقل شيوعًا.

قد يحدث في حالات نادرة أعراض أخرى مثل نزيف الأنف، وآلام البطن، والحمى الشديدة التي تزيد عن 39 درجة مئوية. قد يؤدي الالتهاب أيضًا إلى الصداع، والتعرق، والقيء، وفقدان الوزن.

تشخيص الحمى الروماتيزمية

لا يوجد اختبار واحد يستخدم لتشخيص الحمى الروماتيزمية، ولكن يعتمد الأطباء في التشخيص على البحث عن علامات المرض، والتحقق من التاريخ الطبي للمريض، واستخدام العديد من الاختبارات، منها:

  • مسحة الحلق: تجرى مسحة الحلق للتحقق من وجود البكتيريا العقدية من المجموعة أ من خلال اختبار سريع للبكتيريا أو زراعة المسحة.
  • اختبارات الدم: تجرى اختبارات الدم للتأكد من وجود عدوى بكتيرية حديثة من خلال الكشف عن الأجسام المضادة للبكتريا التي تبقى فترة في الدم بعد اختفاء البكتيريا. كذلك تتحقق أيضًا اختبارات الدم الأخرى من وجود مواد مثل البروتينات تشير إلى وجود التهاب في الجسم.

وجدير بالذكر أن نتائج هذه التحاليل لا تشخص الحمى الروماتيزمية وإنما تعني مجرد وجود التهاب، لذلك من غير الصحيح تسميتها تحليل الحمى الروماتيزمية.

  • تخطيط كهربية القلب (ECG): وهي تقييم لنشاط القلب الكهربي لاكتشاف إيقاعات القلب غير الطبيعية التي تشير إلى وجود التهاب.
  • تخطيط صدى القلب: حيث يُفحص القلب بالموجات فوق الصوتية للبحث عن التهاب أو تلف صمامات القلب.

هل الحمى الروماتيزمية خطيرة وما هي مضاعفاتها؟

قد تستمر اعراض الحمى الروماتيزمية عند الكبار أو الصغار لأسابيع، أو شهور، أو فترات أطول وربما تكون شديدة خاصة التهاب القلب، مما قد يسبب مشاكل طويلة الأمد، وأبرزها مرض القلب الروماتيزمي.

مرض القلب الروماتيزمي (Rheumatic Heart Disease -RHD)

يعد مرض القلب الروماتيزمي أو روماتيزم القلب هو أكثر المضاعفات شيوعًا وأشدها خطورة.

فإذا لم تعالج الحمى الروماتيزمية على الفور أو كانت شديدة، فقد يحدث تلف طويل الأمد في القلب يسمى مرض القلب الروماتيزمي.

يؤثر مرض القلب الروماتيزمي على أكثر من 15 مليون شخص سنويًا على الصعيد العالمي، ويسبب أكثر من 230 ألف حالة وفاة.

قد يسبب الالتهاب ضررًا دائمًا في القلب خاصة الصمام التاجي والأبهري، وربما يؤدي هذا إلى:

  • تضيق الصمامات: مما يؤدي إلى انخفاض تدفق الدم.
  • قلس الصمام: حيث يتدفق الدم في الاتجاه الخاطئ بسبب التسرب.
  • تلف عضلة القلب: يؤدي الالتهاب إلى ضعف عضلة القلب بحيث لا يستطيع ضخ الدم على نحو صحيح.

مضاعفات أكثر خطورة

قد يترتب على تلف أنسجة القلب أو الصمام التاجي أو صمامات القلب الأخرى مضاعفات أكثر خطورة منها:

  • قصور القلب: يعد قصور القلب حالة خطيرة لا يستطيع القلب فيها ضخ الدم بكفاءة إلى جميع أنحاء الجسم. وقد يصيب القصور الجانب الأيسر، أو الأيمن، أو كلا جانبي القلب.
  • الرجفان الأذيني: هو عدم انتظام ضربات القلب مع فقد التزامن والتناسق بين دقات الحجرات العلوية للقلب أي الأذينين والجزء السفلي من القلب أي البطينين. يؤدي هذا إلى انقباض القلب بشكل غير منتظم وسريع للغاية؛ مما يجعل قدرته على ضخ الدم غير فعالة. يمكن أن يؤدي هذا الإيقاع غير الطبيعي إلى السكتة أو الجلطة الدماغية أو فشل القلب.
  • الوفاة: قد تتطلب أمراض القلب الروماتيزمية الشديدة إجراء جراحة في القلب والتي قد تؤدي إلى الوفاة، وربما تحدث الوفاة نتيجة فشل القلب أو السكتة الدماغية أو أي مضاغفات أخرى.

علاج الحمى الروماتيزمية

يهدف العلاج إلى التخلص من بقايا البكتيريا العقدية من المجموعة أ وعلاج اعراض الحمى الروماتيزمية والسيطرة عليها.

ويشمل العلاج ما يلي:

  • المضادات الحيوية

يصف الطبيب المضادات الحيوية مثل البنسيلين (Penicillin) للتأكد من القضاء على أي بقايا للبكتريا العقدية.

قد تستدعي بعض الحالات وصف المضادات الحيوي كعلاج طويل الأمد أو مدى الحياة للوقاية من تكرار الإصابة.

  • مضادات الالتهابات غير الستيرويدية

تشمل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية مسكنات الألم التي تعد أيضًا مضادة للالتهابات مثل الأسبرين أو النابروكسين. وعلى الرغم من ارتباط استخدام الأسبرين في الأطفال المصابين بأمراض معينة بخطر الإصابة بمتلازمة راي، إلا أن فوائد استخدامه في علاج الحمى الروماتيزمية قد تفوق المخاطر.

  • الكورتيكوستيرويدات

تستخدم الكورتيكوستيرويدات في الحالات الشديدة لعلاج الالتهابات.

  • الأدوية المضادة للاختلاج

قد يصف الطبيب مضادًا للاختلاج إذا أصبحت الحركات اللاإرادية شديدة للغاية.

  • الراحة في السرير

يوصي الطبيب الأطفال بالراحة في الفراش وتقييد الأنشطة حتى زوال الأعراض الرئيسية مثل الألم والالتهاب. وقد يوصى بالراحة الشديدة في الفراش بضعة أسابيع إلى بضعة أشهر إذا تسببت الحمى في مشاكل في القلب.

يجب على الأشخاص الذين أصيبوا بالحمى الروماتيزمية الالتزام بالمتابعة الطبية المستمرة، حيث قد تظهر آثار ضرر القلب بعد عدة سنوات.

الوقاية من الحمى الروماتيزمية

يوصى باتباع النصائح الآتية:

  • العلاج الصحيح لالتهاب الحلق

تعد المضادات الحيوية مفتاح الوقاية، حيث أن علاج التهاب الحلق والحمى القرمزية مبكرًا بدورة كاملة من المضاد الحيوي أمرًا ضروريًا للوقاية من الحمى الروماتيزمية. ولكن أحيانًا لا تكون أعراض التهاب الحلق والحمى القرمزية واضحة ولا يسهل اكتشافها؛ لذا ينبغي مراجعة الطبيب إذا كان الطفل يعاني من التهاب في الحلق لأكثر من ثلاثة أيام أو لديه أعراض أخرى.

  • اتباع تعليمات الطبيب بعناية

إذا كان الطفل يعاني من التهاب الحلق العقدي أو الحمى القرمزية فيجب اتباع تعليمات الطبيب بعناية. كما ينبغي الالتزام بإنهاء الدورة الكاملة من المضادات الحيوية حتى لو شعر الطفل بتحسن، وإلا فقد لا ينجح القضاء على العدوى تمامًا مما يجعل الطفل عرضة للإصابة بالحمى الروماتيزمية.

  • استخدام المضادات الحيوية كوقاية

ينبغي استخدام المضادات الحيوية كوقاية في الأشخاص الذين سبق لهم الإصابة بالحمى الروماتيزمية، حيث تساعد المضادات الحيوية في حماية هؤلاء الأشخاص المصابين من تكرار الإصابة بنوبات التهاب الحلق في المستقبل.

قد يحتاج هؤلاء الأشخاص إلى الاستمرار على العلاج الوقائي بالمضادات الحيوية على مدى سنوات عديدة غالبًا حتى عمر 21 عامًا. تشمل الوقاية أخذ المضادات الحيوية يوميًا عن طريق الفم أو حقن في العضلات كل بضعة أسابيع.

  • الحفاظ على النظافة

يساهم الحفاظ على النظافة الجيدة في تقليل فرص الإصابة بالعدوى البكتيرية، ومنع انتشار العدوى، لذا يجب عليك دائمًا:

    • غسل اليدين كثيرًا بالماء والصابون بطريقة صحيحة.
    • السعال أو العطس في منديل ورقي، أو استخدام الكوع أو الكتف العلوي وليس اليد.
    • استخدام المنديل مرة واحدة للعطس أو لتفريغ إفرازات الأنف، ثم التخلص منه وغسل اليدين بعد ذلك.
    • تجنب التعامل مع المرضى دون أخذ الاحتياطات اللازمة.
    • تجنب مشاركة الأدوات الشخصية مع المرضى.

بقلم د/ أسماء ضياء الدين

المصدر
cdc.govmy.clevelandclinic.orghealthline.commedicalnewstoday.com

د. أسماء ضياء الدين

صيدلانية، وكاتبة أسعى لتبسيط ما تعلمته، وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع للمساهمة في تثقيف مجتمعنا العربي صحيًا بأحدث المعلومات الطبية الدقيقة والموثوقة، أملًا في منحهم حياة صحية أفضل.
زر الذهاب إلى الأعلى