الوسواس القهري ، عندما تصبح سجين مخاوفك..

هناك من يعيش حرًا يتنفس الهواء الطلق لكنه سجين مخاوفه وأفكاره، فليست الزنانين المادية وحدها ما يسلب الإنسان حريته. كذلك هم من يعانون من اضطراب الوسواس القهري فإيمانهم بأفكار وهواجس غير منطقية، تقحمهم في سيطرة السلوكيات القهرية وتجعلهم أسرى لها.

فما هو اضطراب الوسواس القهري ؟

يعد اضطراب الوسواس القهري (OCD) أحد اضطرابات القلق التي تندرج تحت فئة الاضطرابات النفسية، ويمكن أن يصاب به جميع الفئات العمرية من البالغين والأطفال.

يعاني المصابون به من أفكار ومخاوف أو صور غير منطقية (وسواسية)، تقودهم إلى أفعال وسلوكيات متكررة (قهرية) كاستجابة منهم في محاولة للتخفيف والتخلص من التوتر والقلق الذي تسببه تلك الوساوس. وبالرغم من أن بعضهم يدرك أن هذه الوساوس غير منطقية لكنهم لا يستطيعون إيقافها.

تصاحب هذه الوساوس عادة مشاعر شديدة ومزعجة تؤرق الحياة، مثل الخوف أو الشك أو الاشمئزاز وقد يصاحبها شعور بأن الأشياء لا بد أن تتم بطريقة صحيحة تمامًا.

تؤثر الوساوس والأفعال القهرية سلبًا على حياة المصابين اليومية، وتستغرق وقتًا طويلاً فتصبح مضيعة للوقت.

الوسواس القهري عبر التاريخ 

اعتقد الأوربيون قديمًا بين القرنين الرابع والسادس عشر الميلادي أن الأشخاص الذين يعانون من وساوس وأفعال قهرية مستحوذون من الشياطين، وبناء على ذلك اتبعوا “التعويذ” لطرد الأرواح الشريرة كعلاج له.

استمر الحال على ذلك حتى أوائل القرن العشرين حين نسب طبيب الأعصاب النمساوي “سيجموند فرويد” هذا الاضطراب إلى الصراعات النفسية الداخلية اللاواعية، والتي تظهر على شكل سلوكيات قهرية، وعرف باضطراب الوسواس القهري.

ما الفرق بين الوسواس القهري والطقوس العادية ؟

لكل منا عادات وطقوس معينة وربما هواجس وأفكار وسواسية نمر بها في مرحلة ما من حياتنا، لكن هذا لا يعني أننا جميعًا مصابون بالوسواس القهري.

فمصطلح “الهوس” هو مصطلح شائع في لغتنا اليومية، ويعني أن شخصًا ما مشغول بموضوع أو فكرة معينة، أو كما يقال “مهووس بها”. ولكن هذا الهوس لا يؤثر على حياته اليومية -على عكس اضطراب الوسواس القهري- بل في بعض الأحيان يكون ممتعًا مثل أن تكون مهوسًا بلعبة أو أغنية جديدة.

حتى لو كان الهاجس لدى الشخص جديًا مثل الخوف من الإصابة بالمرض، أو القلق بشأن سلامة أحد أفراد الأسرة، أو التساؤل عما إذا كان الخطأ الذي ارتكبه كارثيًا، هذا لا يعني أن هذه الهواجس والأفكار أعراض للوسواس القهري. فبالرغم من أنها تبدو مماثلة لها، إلا أنها تكون قلقًا لحظيًا يزول ولا يعيق الحياة اليومية. 

ما هي أعراض الوسواس القهري ؟

قد يصاب الشخص بالوساوس فقط أو السلوكيات القهرية فقط أو كليهما معًا:

الوسواس القهري الفكري:

وفيه تتكرر الهواجس والأفكار المستمرة غير المرغوب فيها مسببة الضيق والقلق.

دائمًا ما تنحصر فكرة أن مرضى الوسواس القهري هم مهووسو النظافة فقط، لكن حقيقة الأمر أن هناك أنواعًا لا حصر لها من الوسواس القهري، وقد يعاني الشخص من أكثر من نوع معًا.

أمثلة لأشهر الوساوس وأنواعها:

  • الخوف من إيذاء النفس أو الآخرين

أفكار سوداوية وتخيلات مزعجة خوفًا من إيذاء النفس أو الآخرين عمدًا أو عن طريق الخطأ، مثل الخوف من التسبب في حريق بالمنزل من خلال ترك موقد الغاز مشتعلًا.

  • وسواس التأكد

الشك الدائم في غلق الأبواب والنوافذ أو ضبط المنبه.

  • وسواس النظافة

الخوف من التلوث أو الاتساخ، أو الإصابة بالأمراض.

  • وسواس الكمال

الرغبة المبالغ فيها في التنسيق أو التنظيم.

  • الوسواس القهري الجنسي

الخوف من التصرفات الجنسية، فقد يعاني المريض هواجس جنسية وقد تكون هذه الهواجس متطرفة وغير عادية.

العادات والسلوكيات القهرية:

"الوسواس القهري"

تبدأ الأفعال القهرية كمحاولة لتقليل أو منع القلق والخوف الحادث بسبب الوساوس الفكرية، وتظهر هذه الأفعال بطريقة مفرطة وغير منطقية.

وأكثر السلوكيات القهرية انتشارًا:

  • غسل اليدين بشكل مفرط إلى درجة تؤدي إلى الإصابة بالجروح.
  • الاستحمام المتكرر.
  • الامتناع عن ملامسة مقابض الأبواب أو مصافحة الآخرين.
  • الشعور بالحاجة إلى تكرار أداء نفس المهام مثل الوضوء والصلاة.
  • التأكد مرارًا وتكرارًا من غلق الأبواب أو موقد الغاز.
  • العد بنمط معين سواء بصمت أو بصوت عالٍ خلال أداء الأعمال اليومية.
  • الهمهمة المتكررة بأدعية أو عبارات لطمأنة النفس.
  • التلعثم خلال الحديث وتكرار كلمات أو مصطلحات.
  • التشديد على تنظيم الأشياء بنفس النمط وبدقة شديدة.
  • الاكتناز، أي تجميع أغراض ليس لها قيمة والاحتفاظ بها مثل أوراق الجرائد والفواتير وغيرها.

المضاعفات

تشمل المضاعفات الناتجة عن اضطراب الوسواس القهري ما يلي:

  •  تضييع مفرط للوقت جراء الانخراط في السلوكيات القهرية.
  • المشكلات الصحية، مثل التهاب الجلد التماسي التحسسي الناتج عن الغسل المتكرر لليدين.
  • صعوبة الذهاب إلى العمل أو المدرسة أو ممارسة الأنشطة الاجتماعية.
  • الاكتئاب.
  • أفكار وسلوكيات انتحارية.

ما أسباب الوسواس القهري ؟

لا يوجد سبب واضح وراء الإصابة باضطراب الوسواس القهري، لكن هناك العديد من النظريات المقترحة بشأن العوامل المسببة له:

  • عوامل بيولوجية

قد يحدث اضطراب الوسواس القهري نتيجة تغيرات كيميائية في الجسم أو وظائف المخ، مثل نقص مادة السيروتونين.

  • عوامل جينية

يرجح العلماء أن الوسواس القهري يرجع إلى سبب وراثي، لكن الجين المسبب له لم يحدد بعد.

  • عوامل بيئية (مكتسبة)

قد تُكتسَب المخاوف الوسواسية والعادات القهرية من أحد أفراد الأسرة المصابين ويتم تعلمها تدريجيًا مع الوقت.

عوامل الخطورة

  • التاريخ العائلي: إصابة أحد أفراد الأسرة باضطراب الوسواس القهري.
  • الإصابة بأمراض نفسية أخرى مثل الاكتئاب والقلق.
  • متلازمة توريت.
  • التعرض لصدمات أو توتر أو أحداث مؤلمة.
  • تاريخ اعتداء جسدي أو جنسي في مرحلة الطفولة.

أحيانًا تحدث الإصابة بالوسواس القهري في الأطفال بعد إصابتهم بالتهاب الحلق (ببكتيريا المكورات العقدية)، بسبب تكون أجسام مضادة تهاجم الخلايا العصبية عن طريق الخطأ، وتسمى هذه الحالة (PANDAS).

كيف يُشخص الوسواس القهري ؟

يبدأ الطبيب بأخذ التاريخ المرضي ثم الفحص البدني لاستبعاد الأسباب العضوية التي قد تسبب أعراضًا مشابهة.

قد يستخدم الطبيب المعايير الواردة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5)، الذي وضعته الجمعية الأمريكية للطب النفسي.

تتمثل معايير تشخيص اضطراب الوسواس القهري في عناصر عديدة منها:

  • تحديد نوع الإصابة سواء كانت وساوسًا فكرية أم عادات قهرية أم كليهما معًا.
  • تحديد شدة الأعراض من الوساوس والأفعال، ومدى تأثيرها السلبي على الحياة اليومية.
  • استبعاد الأسباب الأخرى التي قد تسبب أعراضًا مشابهة مثل سمة اضطراب الشخصية (OCPD)، أو تناول أدوية معينة، أو الإصابة بأمراض أخرى مثل الاكتئاب والقلق.

ما هي طرق علاج الوسواس القهري ؟

يختلف العلاج تبعًا لشدة الأعراض، ومدى تأثيره على حياة المريض، وفي بعض الحالات قد يستمر العلاج فترات طويلة (مدى الحياة).

يعتمد العلاج على مساعدة المريض في التعامل مع الأعراض ومواجهتها ومنعها من التأثير سلبًا على حياته.

تتضمن العلاجات الأساسية المتبعة ما يلي:

العلاج السلوكي المعرفي

يعد العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج بالكلام نوعًا من العلاج النفسي الذي يساعد المريض على تغيير طريقة تفكيره وتخطي الأفعال القهرية، ويشمل:

  • التعرض ومنع الاستجابة

يستخدم المعالج النفسي مجموعة من التقنيات لتعريض الشخص تدريجيًا -في بيئة آمنة- إلى المواقف والأشياء التي تثير الخوف والقلق لديه كملامسة سطح متسخ، ثم يمنعه من إصلاحها أو القيام بالأفعال القهرية أي عدم السماح له بغسل يديه.

تساعد هذه الطريقة في التغلب على الوساوس ومقاومة الأفعال القهرية وتقليل الشعور بالقلق.

  • العلاج المعرفي

يبدأ العلاج المعرفي بتشجيع الشخص على تحديد وإعادة تقييم معتقداته حول عواقب الانخراط في السلوك القهري أو الامتناع عنه.

بعد ذلك يبدأ المعالج تشجيع المريض على:

  • معرفة الأشياء التي تسبب له الأفكار الوسواسية.
  • تحديد الأفعال القهرية المرتبطة بالوساوس.
  • تطوير استجابة أقل تهديدًا أو خطرًا.

أثبت العلاج المعرفي السلوكي نجاحه في علاج الوسواس القهري في الأطفال والبالغين.

العلاج الدوائي

قد تساعد بعض الأدوية النفسية في علاج اضطراب الوسواس القهري بالسيطرة على الوساوس والأفعال القهرية.

يبدأ العلاج الدوائي بمضادات الاكتئاب من فئة مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية، التي تعمل على رفع نسبة السيروتونين.

من أمثلة هذه الأدوية:

  • اسكيتالوبرام
  • فلوفوكسامين
  • باروكستين
  • فلوكستين
  • سيرترالين

قد لا يستجيب بعض مصابي الوسواس القهري لهذه الأدوية بمفردها؛ لذلك يصف الطبيب مضادات الذهان أيضًا.

علاجات أخرى

إذا لم تستجب بعض الحالات للعلاج السلوكي المعرفي أو العلاج الدوائي؛ يلجأ الطبيب إلى إدخال المريض لقسم الأمراض النفسية أو استخدام علاجات أخرى مثل:

  • العلاج بالصدمة الكهربائية.
  • التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة.
  • التحفيز العميق للدماغ.

الدعم النفسي

يحتاج مريض الوسواس القهري إلى الدعم النفسي ممن حوله، لمساعدته في العلاج والتغلب على مخاوفه.

نصائح للتعامل مع مريض الوسواس القهري:

  • تحاور مع الشخص المصاب بالوسواس لتشجيعه على التحدث عن الاضطراب حتى تتمكن من معرفة كيفية تأثيره عليه وكيف يمكنك أن تدعمه. ولكن لا تحاول مناقشته حول أفكاره الوسواسية؛ لأن معظم المصابين بالوسواس القهري يعرفون أن وساوسهم وأفعالهم القهرية غير منطقية.
  • شجع الشخص المصاب بالوسواس القهري على مشاركة تجاربه مع عائلته وأصدقائه.
  • حاول التحلي بالصبر وعدم الغضب والاستياء، فهذا سيدعمه في تركيز جهوده على التعافي.
  • أشِد بالتحسن مهما كان صغيرًا وحاول تشجيعه دائمًا.

وأخيرًا، شجع الشخص المصاب على طلب المشورة الطبية لتلقي العلاج المناسب، فاضطراب الوسواس القهري حالة شائعة لا تستدعي الخجل ويمكن علاجها.

اقرأ أيضًا:

مرض الزهايمر وتأثيراته على الدماغ

بقلم د/ أسماء ضياء الدين

المراجع

  1. WebMD.com
  2. Medicalnewstoday.com
  3. Mayoclinic.com
  4. nhs.uk
  5. iocdf.org
  6. Betterhealth.vic.gov.au

د. أسماء ضياء الدين

صيدلانية، وكاتبة أسعى لتبسيط ما تعلمته، وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع للمساهمة في تثقيف مجتمعنا العربي صحيًا بأحدث المعلومات الطبية الدقيقة والموثوقة، أملًا في منحهم حياة صحية أفضل.
زر الذهاب إلى الأعلى