مرض التوحد، وحيدٌ أنا رغم الزحام..

“وحيد أنا منعزل عن العالم الخارجي منذ صغري، لا آبه بمن حولي، أعيش في عالمي الخاص حيث أنا ولعبتي فقط”.. إنه مصاب مرض التوحد.

ما هو التوحد؟

يُعرف مرض التوحد (Autism) أيضًا باسم اضطراب طيف التوحد (ASD)، وهو أحد اضطرابات التطور العصبي الذي يبدأ منذ الطفولة المبكرة ويستمر مدى الحياة.

يواجه مصاب التوحد العديد من التحديات نظرًا لأن هذه الاضطرابات تؤثر على مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي والتواصل اللفظي، كما أنها تؤثر على السلوك حيث يُظهر الأشخاص المصابون بالتوحد غالبًا اهتمامات أو أنماط سلوك متكررة ونمطية.

يستطيع بعض مصابي التوحد تحقيق الاستقلال الذاتي والاعتماد على أنفسهم، إذ تتفاوت شدة التوحد من شخص لآخر فالبعض يواجه عقبات خفيفة، بينما البعض الآخر يواجه إعاقة تحتاج إلى رعاية بدوام كامل.

يُعد اضطراب طيف التوحد منتشرًا في جميع أنحاء العالم، ولا تقتصر الإصابة به على فئة معينة، فقد يصاب به أي شخص بغض النظر عن عرقه أو جنسه أو مستواه الاجتماعي.

قدر مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) في عام 2014 أن 1 من بين كل 59 طفلًا تقريبًا مصاب بالتوحد، وأنه أكثر شيوعًا في الأطفال الذكور عن الإناث بنسبة 4 إلى 1.

انواع التوحد

  • متلازمة اسبرجر: هم أطفال ذو ذكاء طبيعي أو فوق الطبيعي وغالبًا لا يعانون من تأخيرات لغوية، ولكن لديهم مشاكل في التواصل الاجتماعي، وسلوكيات وأنماط متكررة. ويرجح أن العالم “آينشتاين” كان مصابًا بهذه المتلازمة.
  • اضطراب التوحد: هو اضطراب التوحد الكلاسيكي، يعاني المصابون به من مشاكل في التفاعل الاجتماعي والتواصل واللعب، وهو أشد وأخطر أنواع التوحد.
  • اضطراب الطفولة التحللي: يسمى أيضًا متلازمة هيلر، يتمتع هؤلاء الأطفال بتطور طبيعي مدة أول عامين على الأقل من العمر، ثم يفقدون بعض مهارات التواصل والمهارات الاجتماعية أو معظمها.
  • الاضطراب النمائي الشامل (PDD) أو التوحد اللانمطي: يعاني فيه الأطفال من بعض سلوكيات التوحد، مثل التأخر في المهارات الاجتماعية والتواصلية واللغوية. 

كان يعتقد أن كل نوع من هذه الأنواع هي حالات منفصلة، لكن الآن أصبحت جميع هذه الحالات تصنف تحت مسمى “اضطرابات طيف التوحد”.

اسباب التوحد وعوامل الخطر

السبب وراء الإصابة بمرض التوحد غير معروف، ولكن هناك العديد من العوامل التي تجعل الطفل أكثر عرضة للإصابة به، وتشمل:

  • التاريخ العائلي: الأطفال الذين لديهم شقيق مصاب بالتوحد هم أكثر عرضة للإصابة به، حيث اتفق العلماء على أن الجينات لها دور في الإصابة بالتوحد.
  • أمراض أخرى: الأطفال الذين يعانون من حالات طبية معينة مثل متلازمة كروموسوم X الهش، والتصلب الحدبي، ومتلازمة ريت لديهم خطر متزايد للإصابة بمرض التوحد أو أعراض تشبه أعراض التوحد. 
  • الأدوية: قد يتسبب تناول بعض أنواع الأدوية أثناء الحمل في زيادة خطر إصابة الطفل بمرض التوحد، مثل عقار حمض الفالبرويك والثاليدوميد.
  • عمر الوالدين: قد يرتبط زيادة خطر الإصابة بمرض التوحد لدى الأطفال المولودين لأبوين أكبر سنًا، ولكننا مازلنا بحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لإثبات ذلك أو نفيه.
  • جنس الطفل: الأطفال الذكور أكثر عرضة للإصابة بالتوحد عن الإناث.
  • الأطفال الخدج للغاية: قد يكون الأطفال المولودين قبل 26 أسبوعًا من الحمل أكثر عرضة للإصابة بالتوحد.

يعمل الباحثون حاليًا على اكتشاف ما إذا كانت عوامل مثل العدوى الفيروسية أو بعض الأدوية أو المضاعفات أثناء الحمل أو ملوثات الهواء تلعب دورًا في تحفيز الإصابة بمرض التوحد.

لا يوجد أي دليل علمي على وجود رابط بين أخذ أي نوع من اللقاحات (التطعيمات) والإصابة بمرض التوحد.

اعراض التوحد عند الأطفال والرضع

تظهر علامات التوحد على بعض الأطفال المصابين في مرحلة مبكرة من الطفولة غالبًا في سن الثانية أو الثالثة من العمر وربما قبل ذلك.

إليك أبرز اعراض التوحد التي تظهر في عمر مبكر: 

في عمر 6 شهور

  • صعوبة الابتسام.
  • قلة الاتصال المباشر بالعين.

عند 9 شهور

  • قلة أو انعدام الاستجابة للأصوات أو الابتسامات أو تعبيرات الوجه الأخرى.

في عمر 12 شهرًا

  • ضعف التواصل اللغوي أو انعدامه.
  • قلة الإيماءات مثل التلويح أو الإشارة إلى شيء ما.
  • عدم الاستجابة عند مناداته باسمه.

عند عمر 16 شهرًا

  • عدم النطق أو نطق كلمات معدودة فقط.

في عمر 24 شهرًا

  • الانطوائية والعزلة وصعوبة التحدث والتلعثم أثناء الكلام.

مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي

  • قلة أو عدم القدرة على الاتصال المباشر بالعين.
  • صعوبة شديدة في التواصل أو التفاعل مع الآخرين.
  • الانطوائية والعزلة وتفضيل الجلوس منفردًا.
  • رفض العناق أو التلامس الجسدي حتى مع الأم.
  • عدم النظر إلى الناس أو الاستماع إليهم.
  • عدم الاستجابة عند مناداته باسمه أو أي محاولات لفظية لجذب انتباهه.
  • تأخر النطق والتلعثم في الحديث.
  • مواجهة صعوبات في تبادل الحديث أو في بدء محادثة والاستمرار فيها.
  • التحدث بإسهاب عن موضوع مفضل دون ملاحظة عدم اهتمام الآخرين به، أو دون إعطاء الآخرين فرصة للرد.
  • التحدث بنبرة صوت أو إيقاع غير مألوف قد تبدو كغناء أو شبيهة بالإنسان الآلي.
  • جمود الملامح أو تعابير الوجه غير مناسبة للمواقف المختلفة.
  • نادرًا ما يشارك الاستمتاع باستعراض أنشطته للآخرين.
  • عدم التعبير عن المشاعر والعواطف، وعدم إظهار التعاطف مع الآخرين.

الأنماط السلوكية

  • السلوك النمطي، أي تكرار حركات وسلوكيات معينة غير معتادة فترات طويلة دون تعب، مثل التأرجح أو الاهتزاز أو الدوران أو المشي على أطراف الأصابع.
  • تكرار كلمات أو عبارات وهو سلوك يسمى ايكولاليا (Echolalia).
  • الاهتمام القوي والدائم بموضوعات معينة مثل الأرقام أو التفاصيل أو الحقائق.
  • الاهتمام الزائد والمبالغ فيه ببعض الأشياء مثل الأشياء المتحركة أو أجزاء من الأشياء.
  • الانزعاج وصعوبة التكيف مع أي تغير في الروتين حتى لو كان تغيرًا طفيفًا.
  • قلة أو زيادة الحساسية تجاه الضوء أو الصوت والضوضاء أو الملابس أو درجة الحرارة.

قد يعاني مريض التوحد أيضًا من عدم الراحة ومشاكل في النوم.

على الرغم من أن الأشخاص المصابين بالتوحد يواجهون العديد من التحديات، لكنهم قد يتمتعون أيضًا بالعديد من نقاط القوة، مثل:

  • القدرة على تعلم الأشياء بالتفصيل وتذكر المعلومات فترات طويلة من الزمن.
  • يتميز بتعلم بصري وسمعي قوي.
  • التفوق في المهارات الحسابية والعلوم والموسيقى والفن.

تشخيص مرض التوحد

يمكن أن يُحدِث التشخيص المبكر فارقًا كبيرًا في حياة أطفال التوحد وأسرهم.

يصعب تشخيص التوحد نظرًا لاختلاف أعراضه وشدته، وكذلك عدم وجود اختبار طبي أو معملي محدد لتحديد الاضطراب. لذا يعتمد تشخيص التوحد على معرفة التاريخ الطبي ومراقبة سلوكيات الطفل والاستماع إلى ملاحظات والديه. فالفحوصات الدورية تركز على ملاحظة أي تأخر في النمو خاصة في عمر 18 إلى 24 شهرًا.

قد يستخدم الطبيب المعايير الواردة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5) التابع للجمعية الأمريكية للطب النفسي. كما قد يوصي بإجراء اختبارات السمع والتخاطب واللغة والمستوى النمائي والأمور الاجتماعية والسلوكية. وقد يوصي بعمل اختبار جيني لتحديد ما إذا كان الطفل يعاني من أي اضطرابات وراثية.

علاج مرض التوحد 

لا يوجد شفاء تام من مرض التوحد إلى وقتنا هذا. ولكن تهدف طرق العلاج المتبعة إلى التخفيف من الأعراض لمساعدة المصاب على ممارسة أنشطته اليومية قدر الإمكان عن طريق التغلب على صعوبات التعلم، وكذلك تحسين المشاركة في المجتمع، والحد من السلوكيات غير المرغوب فيها.

1. علاجات السلوك والتواصل

برامج تحليل السلوك التطبيقي (ABA): يُستخدم هذا النهج غالبًا في المدارس والعيادات لمساعدة طفل التوحد على تعلم السلوكيات الإيجابية، وتقليل السلوكيات السلبية، وتنمية مجموعة واسعة من المهارات.

هناك أنواع مختلفة من برامج تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، منها:

  • التدريب التجريبي المنفصل (DTT): هو أسلوب يستخدم دروسًا بسيطة لتعليم السلوك خطوة بخطوة ليسهل تطبيقها.
  • التدريب على الاستجابة المحورية (PRT): يساعد على تطوير الدافع للتعلم، وتحسين مهارات وسلوكيات التواصل.
  • التدخل السلوكي المبكر والمكثف (EIBI): يُستخدم فيه أسلوب تعليمي لتعزيز السلوكيات الإيجابية مثل التواصل الاجتماعي، وتقليل السلوكيات السلبية غير المرغوب بها مثل نوبات الغضب والعدوانية وإيذاء النفس، يفضل هذا النوع من العلاج للأطفال الصغار دون سن الخامسة.
  • التدخل السلوكي اللغوي (VBI): يركز هذا النوع من العلاج على تعليم المهارات اللفظية.

2. المنهج القائم على الفروق النمائية الفردية والعلاقات (DIR)

هذا النوع من العلاج يعرف باسم (Floortime) حيث أنه ينطوي على الجلوس على الأرض مع الطفل للعب والقيام بالأنشطة التي يحبها.

ويهدف إلى دعم النمو العاطفي والفكري وتطوير المشاعر والعلاقات من خلال مساعدة الطفل على تعلم مهارات التواصل والعواطف.

3. برنامج علاج وتعليم الأطفال المصابين بالتوحد ومشكلات التواصل المصاحبة (TEACCH)

يستخدم هذا العلاج الدلائل البصرية مثل بطاقات الصور؛ لمساعدة الطفل على تعلم المهارات اليومية مثل ارتداء الملابس عن طريق تقسيم المعلومات إلى خطوات صغيرة ليتمكنوا من تعلمها بسهولة أكبر.

4. برنامج الاتصال عن طريق تبادل الصور (PECS)

هو علاج مرئي يستخدم رموزًا لها دلالات معينة بدلاً من بطاقات الصور. يتعلم الطفل فيه طرح الأسئلة والتواصل من خلال الرموز الخاصة.

5. العلاج الوظيفي

يساعد هذا النوع من العلاج أطفال التوحد على تعلم المهارات الحياتية، مثل تناول الطعام وارتداء الملابس والاستحمام وفهم كيفية التواصل مع الآخرين.

6. علاج التكامل الحسي

إذا كان طفل التوحد ينزعج بسهولة من أشياء مثل الأضواء الساطعة أو أصوات معينة أو اللمس، فقد يساعد هذا العلاج على التعامل مع هذا النوع من المعلومات الحسية.

7. الأدوية

لا يوجد أدوية لعلاج اضطراب طيف التوحد أو أعراضه الأساسية. لكن قد تساهم بعض الأدوية في الحد من الأعراض المرتبطة بمرض التوحد مثل الاكتئاب والأرق وصعوبة التركيز أو النوبات. كما أظهرت الدراسات أن الأدوية تكون أكثر فعالية عندما تقترن بالعلاجات السلوكية.

8. علاج مرض التوحد بالطب البديل

يسعى العديد من الآباء في البحث عن العلاجات البديلة أو التكميلية، ولكن لا يوجد ما يكفي من الأبحاث على هذه العلاجات.

إليك أمثلة لعلاجات تكميلية وبديلة قد تقدم بعض الفوائد عند استخدامها مع العلاجات الأخرى:

  • العلاجات الإبداعية: تعتمد على تقليل حساسية الطفل للمس أو الصوت عن طريق العلاج بالفن أو الموسيقى، قد تمنح هذه العلاجات بعض الفوائد عند استخدامها مع علاجات أخرى.
  • المعالجة الحسية: يُعتقد أن الأشخاص الذين يعانون من التوحد يعانون من “اضطراب التكامل الحسي” الذي يسبب مشاكل في تنظيم المدخلات الحسية مثل اللمس والتوازن والسمع. يستخدم المعالجون الفرش وألعاب الضغط والترامبولين وغيرها لتحفيز هذه الحواس.

لم تُظهر الأبحاث فعالية هذه العلاجات، ولكنها قد تقدم بعض الفوائد عند استخدامها مع علاجات أخرى.

  • العلاج بمساعدة الحيوانات الأليفة أو ركوب الخيل: يجرى هذا العلاج بمساعدة حيوان أليف ذي مواصفات معينة تحت إشراف مختص، وقد لوحظ قدرة الحيوان على مساعدة مصابي مرض التوحد، ولكن مازلنا بحاجة إلى إجراء مزيد من البحث والتقييم.

يساعد التدخل العلاجي المبكر في السنوات الأولى من عمر الطفل المصاب بالتوحد في تحقيق نتائج أفضل في تعلم مهارات التواصل الاجتماعي وتنمية المهارات السلوكية.

بقلم د/ أسماء ضياء الدين

المراجع:

  1. autismspeaks.org
  2. cdc.gov
  3. WebMD.com
  4. nimh.nig.gov
  5. healthline.com
  6. mayoclinic.org

د. أسماء ضياء الدين

صيدلانية، وكاتبة أسعى لتبسيط ما تعلمته، وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع للمساهمة في تثقيف مجتمعنا العربي صحيًا بأحدث المعلومات الطبية الدقيقة والموثوقة، أملًا في منحهم حياة صحية أفضل.
زر الذهاب إلى الأعلى