مرض باركنسون (الشلل الرعاش)، دليلك الشامل..

يعد مرض باركنسون أحد الأمراض المزمنة الشائعة المرتبطة بتقدم العمر، وهو حالة تتضرر فيها أجزاء من الدماغ تدريجيًا، ويتطور على مدار سنوات عديدة، وربما يؤدي إلى العجز وعدم الاستقلالية.

تبدأ أعراض باركنسون بالظهور عادة بين عمر 40 و60 عامًا، ويعاني منه نحو 7 ملايين شخص حول العالم وفقًا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية.

ما هو مرض باركنسون؟

مرض باركنسون أو الشلل الرعاش (Parkinson’s disease) هو اضطراب تنكسي عصبي يؤثر بشكل رئيسي على الجهاز الحركي. يصيب الاضطراب الجزء المسؤول عن إنتاج مادة كيميائية في الدماغ تسمى الدوبامين (Dopamine)؛ مما يؤدي إلى الإصابة بالرعشة، وبطء الحركة، وتيبس العضلات.

أسباب مرض باركنسون

ينتج مرض الباركنسون عن تلف أو موت بعض الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ المسؤولة عن إفراز الدوبامين؛ مما يؤدي إلى انخفاض الدوبامين، وكذلك النورأدرينالين وهي مادة تنظم الدوبامين.

الدوبامين هي مادة كيميائية موجودة بشكل طبيعي في جسم الإنسان، تعمل كناقل عصبي ينقل الإشارات بين الدماغ والجسم، ويؤدي دورًا في التحكم في الحركات التي يقوم بها الشخص، بالإضافة إلى الاستجابات العاطفية.

لذا فإن المحافظة على توازن الدوبامين هو أمر حيوي لكل من الصحة البدنية والعقلية. وعندما تنخفض مستويات الدوبامين يصبح نشاط الدماغ غير طبيعي، مما يتسبب في ظهور أعراض مرض باركنسون.

لم يتوصل العلماء حتى الآن إلى السبب الفعلي لمرض باركنسون، ولكن هناك عوامل قد تلعب دورًا في الإصابة به مثل العوامل الوراثية، والعوامل البيئية.

من هم الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بمرض باركنسون؟

هناك مجموعات من الأشخاص هم أكثر عرضة للإصابة بالشلل الرعاش، وتشمل:

  • العمر: يعد الأشخاص بين عمر 40 و60 عامًا أكثر عرضة للإصابة بداء باركنسون، ونادرًا ما يحدث مرض باركنسون عند الشباب، ولكن عندما تظهر علامات بداية المرض قبل عمر 40 يطلق عليه باركنسون الشباب، وهذا يحدث في حوالي 4% فقط من الحالات.
  • الجنس: يعد الرجال أكثر عرضة للإصابة بالمرض من النساء بمعدل مرة ونصف.
  • التاريخ العائلي: الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بمرض باركنسون هم أكثر عرضة للإصابة بالمرض.
  • السموم: قد يؤدي التعرض لسموم معينة مثل المبيدات الحشرية، ومبيدات الأعشاب إلى زيادة خطر الإصابة بمرض باركنسون.
  • إصابة الرأس: قد يكون الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات الرأس أكثر عرضة لداء باركنسون.

أعراض مرض باركنسون

تعد الأعراض الرئيسية لداء باركنسون هي الرعشة، وبطء الحركة، وتيبس العضلات، وعدم الاتزان.

تتطور أعراض مرض باركنسون تدريجيًا، وغالبًا ما تبدأ برعشة خفيفة في يد واحدة، وشعور بتصلب في الجسم، ومع مرور الوقت تمتد لتؤثر تدريجيًا على كلا الجانبين، ولكن يظل جانب أشد من الآخر، بالإضافة لظهور أعراض أخرى.

تتضمن أعراض داء باركنسون الآتي:

  • الرعشة، وهي اهتزاز لا إرادي لأجزاء معينة من الجسم، تبدأ عادة في يد واحدة. وتظهر عندما تكون اليد في وضعية الراحة وتختفي مع الحركة الإرادية لليد؛ لذا يطلق عليها رعاش الراحة، ولكنها تختفي تمامًا أثناء النوم.

غالبًا ما تكون حركة اليد كما لو أن المريض يقوم بلف أشياء صغيرة بتحريك الأصابع ذهابًا وإيابًا وهو ما يدعى رعاش دحرجة الحبة.

  • بطء الحركة، يسبب مرض باركنسون بطء في الحركات الإرادية وصعوبة فيها؛ مما يجعل أداء المهام اليومية البسيطة صعبًا ويستغرق وقتًا طويلًا.
  • تيبس العضلات وعدم مرونتها.
  • تغير طريقة المشي حيث يميل الشخص إلى الأمام قليلاً، وتكون خطواته قصيرة متقاربة وقد يجر قدميه على الأرض عند المشي.
  • جمود تعبيرات الوجه نتيجة التغيرات في الأعصاب التي تتحكم في عضلات الوجه.
  • ضعف التناسق الحركي والتوازن، مما يزيد من احتمالية السقوط أو وقوع الأشياء من الشخص.
  • فقدان حاسة الشم.
  • انخفاض الصوت وربما تلعثم في الكلام.
  • تغير كتابة خط اليد؛ حيث تصبح أكثر ضيقًا وأصغر.
  • مشاكل النوم مثل الأرق، وقد يكون اضطراب النوم بحركة العين السريعة مؤشراً قوياً للإصابة بالباركنسون؛ وفقاً لدراسة أجريت عام 2015.

تشمل الأعراض الشائعة الأخرى ما يلي:

  • تغيرات المزاج مثل الاكتئاب والقلق.
  • صعوبة في المضغ والبلع.
  • إعياء.
  • إمساك.
  • الخرف أو الذهان، والأوهام والهلوسة التي يمكن أن تتطور بمرور الوقت.
  • مشاكل في البشرة.

كيفية تشخيص مرض شلل الرعاش؟

لا يوجد حتى الآن اختبار محدد يؤكد الإصابة بمرض باركنسون، وقد يؤدي تشابهه مع حالات أخرى إلى صعوبة التشخيص في المراحل المبكرة.

يعتمد تشخيص مرض باركنسون على أخذ التاريخ الطبي، والفحص الجسدي والعصبي للمريض، كما قد يوصي الطبيب بإجراء بعض الاختبارات والفحوصات لاستبعاد الأسباب الأخرى المحتملة.

ومن هذه الفحوصات:

  • تحليل الدم.
  • بعض الفحوص التصويرية، مثل التصوير المقطعي المحوسب، والتصوير بالرنين المغناطيسي، والموجات فوق الصوتية للدماغ.
  • قد يصف الطبيب عقار ليفودوبا وكاربيدوبا بجرعات معينة كعلاج تجريبي، ويعد التحسن بدرجة ملحوظة بعد تناول الدواء مؤشرًا يؤكد تشخيص الإصابة بداء باركنسون.

علاج مرض باركنسون

تتعدد طرق علاج مرض باركنسون، وتشمل ما يلي:

تغيير نمط الحياة

يساهم الحصول على قسط كاف من الراحة، وممارسة الرياضة، واتباع نظام غذائي متوازن في العلاج. كما يمكن أن يساعد علاج النطق، والعلاج المهني، والعلاج الطبيعي في تحسين التواصل والرعاية الذاتية.

عادة ما تحتاج جميع الحالات إلى الأدوية للمساعدة في علاج أعراض الصحة البدنية والعقلية المرتبطة بالمرض.

علاج مرض باركنسون بالأدوية

لم يتوصل بعد لعلاج جذري لمرض باركنسون، ولكن تساهم بعض الأدوية في تحسين مشاكل المشي، والحركة، والرعشة، حيث تعمل هذه الأدوية على زيادة الدوبامين أو تحل محله.

يستخدم عدد من الأدوية المختلفة لعلاج مرض باركنسون، منها:

  • الليفودوبا (Levodopa)

يعد عقار ليفودوبا هو العلاج الأكثر شيوعًا لمرض باركنسون، حيث يساعد الليفودوبا على تجديد الدوبامين. تستجيب حوالي 75% من حالات الباركنسون للعلاج بالليفودوبا، ولكن لا تتحسن جميع الأعراض.

عادة ما يعطى الليفودوبا مع دواء الكاربيدوبا (Carbidopa)، حيث يؤخر الكاربيدوبا تفكك ليفودوبا؛ مما يؤدي إلى زيادة توافر الليفودوبا عند الحاجز الدموي الدماغي.

  • ناهضات الدوبامين (Dopamine Agonists)

يمكن لمنبهات الدوبامين تقليد عمل الدوبامين في الدماغ، ورغم أنها أقل فعالية من الليفودوبا إلا أنها يمكن أن تكون مفيدة كأدوية بديلة عندما يكون الليفودوبا أقل فعالية.

ومن أمثلة ناهضات الدوبامين دواء البروموكريبتين، والبراميبيكسول، والروبينيرول.

  • مضادات الكولين (Anticholinergic)

تعمل مضادات الكولين مثل دواء البنزتروبين، وتريهكسيفينيديل على تثبيط الجهاز العصبي السمبثاوي، مما يساهم في علاج الرعشة.

  • الأمانتادين (Amantadine)

يمكن استخدام الأمانتادين مع الليفودوبا والكاربيدوبا، حيث يوفر الأمانتادين راحة قصيرة المدى للحركات اللاإرادية التي تحدث كآثار جانبية لليفودوبا.

  • مثبطات إنزيم ناقلة ميثيل O كاتيكول ( Catechol O-methyltransferase inhibitors- COMT)

تعمل ثبطات إنزيم ناقلة ميثيل O كاتيكول على إطالة تأثير الليفودوبا، ومن أمثلتها دواء الإنتاكابون والتولكابون.

يمكن أن يسبب التولكابون تلف الكبد؛ لذا عادة لا يستخدم إلا في الأشخاص الذين لا يستجيبون للعلاجات الأخرى.

تتوفر أدوية تجمع بين الإنتاكابون والليفودوبا والكاربيدوبا معًا في قرص واحد.

  • مثبطات أكسيداز أحادي الأمين ب (Monoamine oxidase inhibitors B)

يؤدي تثبيط إنزيم أوكسيديز أحادي الأمين ب إلى عدم تفكك الدوبامين مما يطيل فترة بقائه في الدماغ، ومن أمثلة مثبطات أكسيداز أحادي الأمين B دواء السيليجيلين والراساجيلين.

يجب استشارة الطبيب قبل تناول أي أدوية أخرى مع مثبطات أكسيداز أحادي الأمين B، حيث أنها تتفاعل مع العديد من الأدوية.

مع مرور الوقت قد تنخفض فاعلية أدوية باركنسون، وفي المرحلة المتأخرة من داء باركنسون قد تفوق الآثار الجانبية لبعض الأدوية فوائدها، ومع ذلك، فهي ماتزال مفيدة في تخفيف  الأعراض.

علاج مرض باركنسون بالجراحة

لا يوصى بالتدخلات الجراحية إلا في الأشخاص الذين لا يستجيبون للعلاج بالأدوية وتغيير نمط الحياة.

يوجد نوعان أساسيان من الجراحة لعلاج مرض باركنسون:

  • التحفيز العميق للدماغ

في عملية التحفيز العميق للدماغ (DBS)، يقوم الجراحون بزرع أقطاب كهربائية في أجزاء معينة من الدماغ. ومن ثم يرسل المولد المتصل بالأقطاب الكهربائية نبضات للمساعدة في تقليل الأعراض.

  • مضخة حقن مستمر محمولة

وافقت منظمة الغذاء والدواء (FDA) في يناير 2015 على علاج مرض باركنسون باستخدام مضخة تعمل على توصيل مزيجًا من الليفودوبا والكاربيدوبا.

يجري الطبيب عملية جراحية لزراعة أنبوب تغذية يوصل الدواء مباشرة للأمعاء الدقيقة، ويتصل هذا الأنبوب بمضخة خارجية لضخ الدواء على مدار 16 ساعة.

علاج مرض باركنسون بالاعشاب

لم يثبت حتى الآن فاعلية علاج مرض باركنسون بالاعشاب، ولكن هناك بعض الدراسات العلمية التي تجرى حول تأثير الكركم، والجينكو بيلوبا، ونبات التويا في علاج داء باركنسون.

هل مرض الباركنسون مميت؟

لا يعد مرض باركنسون مميتًا، وقد يعيش العديد من الناس مع المرض عقود، ولكن مع تقدمه فإنه عادة ما يسبب مضاعفات قد تكون سببًا للوفاة مثل مشكلات التنفس، أو السقوط، وغيرها.

يعد استعمال دواء ليفودوبا أحد أسباب انخفاض معدلات الوفاة في مرضى داء باركنسون بنسبة 50% تقريبًا، فبالرغم من أن الليفودوبا لا يوقف استمرار موت الخلايا العصبية إلا أنه يقلل من المضاعفات التي تتسبب في الوفاة.

التعايش مع داء باركنسون

غالبًا ما يسبب مرض باركنسون مشاكل في الأنشطة اليومية، وهذه بعض النصائح للتغلب على هذه المشاكل:

تعلم طريقة المشي الآمنة

  • المشي بحذر.
  • عدم التحرك بسرعة كبيرة.
  • وضع الكعب على الأرض أولاً أثناء المشي.
  • التحقق من وضعية الوقوف بشكل مستقيم.

تجنب السقوط

  • عدم المشي للخلف.
  • تجنب حمل الأشياء أثناء المشي.
  • تجنب الميل والانحناء.
  • الدوران للخلف على شكل u عند الالتفاف، وتجنب الدوران حول القدم.
  • إزالة جميع الأشياء التي قد تسبب التعثر في المنزل مثل ‘طيات السجاد.

تعلم طريقة ارتداء الملابس

  • أخذ متسعًا من الوقت للاستعداد وتجنب التعجل.
  • اختيار الملابس التي يسهل ارتداؤها وخلعها.
  • استخدام الملابس والأحذية التي تحتوي على شريط لاصق بدلاً من الأزرار.
  • ارتداء السراويل والتنانير ذات الأربطة المرنة على الخصر فهي أسهل من الأزرار والسحابات.

ممارسة اليوجا

تساهم تمارين اليوجا في بناء العضلات وزيادة القدرة على الحركة وتحسين المرونة.

النظام الغذائي لمرضى باركنسون

قد يلعب النظام الغذائي دورًا مهمًا لدى مصابو الباركنسون، وبالرغم من أنه لن يعالج أو يمنع تقدم المرض إلا أن النظام الغذائي الصحي الغني بالفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة قد يكون له تأثير مفيد. كما أن بعض الأطعمة تعمل على زيادة مستويات الدوبامين بشكل طبيعي.

ومن أمثلة الأطعمة المفيدة لمرضى الباركنسون ما يلي:

  • الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة مثل المكسرات، والتوت، والباذنجان.
  • البقوليات الخضراء مثل الفول المدمس لاحتوائها على الليفودوبا.
  • الأطعمة الغنية بالأوميغا 3 مثل السلمون، والمحار، وبذور الكتان وبعض الفاصوليا.

يفضل تجنب منتجات الألبان والدهون المشبعة، فقد تزيد من خطر الإصابة بداء باركنسون أو تسرع من تفاقمه.

الوقاية

لا يمكن الوقاية من مرض باركنسون، ولكن قد يساعد اتباع النصائح الآتية في التقليل من خطر الإصابة به:

  • تجنب السموم، مثل تجنب التعرض لمبيدات الأعشاب، ومبيدات الآفات، والمذيبات.
  • تجنب صدمات الرأس للوقاية من الإصابات الرضية.
  • ممارسة الرياضة بانتظام خاصة التمارين الهوائية، حيث تساهم في الحفاظ على مستويات الدوبامين في الدماغ.
  • الإكثار من الأغذية التي تحتوي على مضادات الأكسدة: يساهم تناول الأغذية التي تحتوي على مضادات الأكسدة في تقليل مخاطر الإصابة بداء باركنسون وأمراض أخرى عن طريق الحد من الإجهاد التأكسدي وتكتل بروتين ألفا سينوكلين. ومن أمثلة هذه الأغذية الكركم والأطعمة التي تحتوي على مركبات الفلافونويد مثل التوت، والتفاح، والعنب الأحمر، وبعض الخضار، والشاي.
  • تجنب الألدهيدات، قد يتسبب التسخين وإعادة استخدام بعض زيوت الطهي، مثل زيت عباد الشمس، في تكوين الألدهيدات، وهي مواد كيميائية سامة قد تتسبب في الإصابة بمرض باركنسون وأمراض أخرى.

بقلم د/ أسماء ضياء الدين

بواسطة
emedicine.medscape.commedicalnewstoday.comhealthline.comnhs.uk

د. أسماء ضياء الدين

صيدلانية، وكاتبة أسعى لتبسيط ما تعلمته، وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع للمساهمة في تثقيف مجتمعنا العربي صحيًا بأحدث المعلومات الطبية الدقيقة والموثوقة، أملًا في منحهم حياة صحية أفضل.
زر الذهاب إلى الأعلى